المنتدى العام لشباب ديروط
اهلا بك في منتديات شباب ديروط هذه الرساله تفيد انك غير مسجل الرجاء التسجل لكي تستطيع المشاركه في المنتدي




 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الفصل السادس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
zu warriour
عضو مميز
عضو مميز


ذكر
عدد الرسائل : 14
العمر : 31
تاريخ التسجيل : 31/07/2008

مُساهمةموضوع: الفصل السادس   الجمعة أغسطس 01, 2008 2:49 am

عشرة قصص رعب من طراز خاص
بقلم
إسلام مصباح
علاء مصباح
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
ستــــ(6)ـــــة
اليوم يكمل عامه السادس...

أعرف هذا تماماً وأنتظره كما لم أنتظر شيئاً من قبل..

العام السادس يمثل لمعظم الأمهات عام النضوج لطفلهم الصغير.. العام الذي تبدأ فيه المدرسة الابتدائية.. العام الذي يمسك فيه الطفل القلم الرصاص والكراس ويبدأ في نسخ الحروف الأبجدية في صفوف متوازية.. أليس كذلك؟..

ربما كان ذلك صحيحاًَ لمعظم الأمهات، لكنه للأسف ليس لي..
أنا لا أهاب شيئا مثل بلوغ "كريم " لعامه السادس..

اليوم يكمل عامه السادس..

ستة أعوام مرت على مولد "كريم".. ما زلت أذكر لحظات الميلاد الدرامية..

كانت رحلة بالقطار طويلة حقا من الفيوم -حيث أقطن مع زوجي- إلى أسوان، ولم يكن معي أحد سوى شقيقتي.. تعرفون طبعا إجازة العيد وحتمية السفر لرؤية الأهل والأقارب، ولن تقبل أي أعذار من أي نوع..

كنا في منتصف المسافة، حينما بدأت آلام الوضع الرهيبة، واضطررت أن أترك القطار في محطة قنا؛ لتنتهي مسيرتنا في مستشفى "قنا" العام.. من المهين حقا أن تلد امرأة بعيدا عن زوجها وأهلها في مدينة لا تعرف فيها أحدا على الإطلاق..

الأكثر إهانة هو أن تبدأ آلامك على مرأى ومسمع من العشرات في عربة القطار.. يا لها من ذكريات!

الألم والدماء ثم صراخ الكائن الصغير الخارج من أحشائي.. يصرخ فأشعر بالارتياح.. لقد انتهى كل شيء.. أخيرا انتهى كل شيء.. وأخيرا وبعد ستة أعوام من الانتظار الطويل جاء "كريم"!

في تلك اللحظات عاد الشعور إليّ بأنوثتي.. سأعود إلى بلدتي "الفيوم" حاملة طفلي بكل فخر.. لست عاقراً.. أنا أيضا باستطاعتي أن أنجب.. باستطاعتي أن أمتلك طفلاً أرضعه وأرعاه وأربيه وأدخله المدارس..

انتهت نظرات التعاطف أو الشماتة في عيون الجيران والأصدقاء.. انتهت الزيارات السرية لطبيب الوحدة الصحية في منزله.. وانتهى فتور زوجي إلى الأبد..

لكن يوم عودتي إلى البلدة شهد واقعة لا يمكن أن أنساها قط...

أنتم تعرفون الشيخة "أم نور".. العجوز الطيبة التي يثق فيها الجميع، ويدعونها إلى بيوتهم؛ ليستشيرها المرء في أدقّ تفاصيل حياته..

الأمر لا يقتصر على النساء؛ لأن الرجال أيضاً يثقون في الشيخة "أم نور".. العجوز مباركة بحق، ولها رأي ثاقب في كل أمر ممكن.. فقط عليك أن (ترمي بياضك) وسوف تخبرك بالرأي الرشيد.. لا أيها السادة.. "أم نور" ليست نصابة أبداً، وكم من مرة صدقت فيها توقعاتها كما أن (البياض) بالنسبة لها مصدر رزقها الوحيد، فهي عجوز (غلبانة) تتولى الإنفاق على نفسها بعد وفاة أبنائها الستة صغاراً منذ زمن بعيد.. لقد عاشت "أم نور" معظم أيام عمرها الطويل بلا أطفال تقريباً.
والشيخة "أم نور" جاءت لزيارتي في منزلي ليلة العودة هناك، مع من جاء للتأكد من صحة الخبر أو المباركة لي على المولود الجديد.. طبعاً كنت أول من رحب بها، فهي التي طمأنتني منذ أعوام وتنبأت بأنني سأنجب.. هي من أعطتني الأمل بعدما كنت فقدته تماماً.. وفعلا صدقت العجوز الطيبة في قولها!

في تلك الليلة دخلت عليّ "أم نور" بعدما انصرفت النسوة الأخريات.. كان "كريم" قد انهمك في سباته الطويل، وكنت أنا مرهقة تماما من استقبال الآخرين وفي أمسّ الحاجة لبعض الراحة، لكن استقبال الشيخة أهم طبعا من أي راحة..

جاءت الشيخة وجلست إلى جواري على الفراش، وراحت تقول الكثير من الكلام الذي تجيده النساء في هذه المواقف.. شدي حيلك.. يحفظه الله.. هتسميه إيه؟.. عاشت الأسامي يا سي "كريم"!

ثم طلبت مني طلبا غريبا.. طلبت أن تلقي نظرة على جسد المولود.. سألتها عن السبب، فقالت إنها مرتابة في الأمر.. يا للمصيبة! الشيخة "أم نور" ترتاب في أمر طفلي!

وبالفعل نهضت وحملت "كريم" الصغير من وسط لفائفه، وكشفت عنه ظهره.. استيقظ الصغير وتطلع لها بعينين حائرتين، ثم انفجر في صراخ طويل، تجاهلته "أم نور" تماماً، وهي تدقق النظر في ظهره العاري.. كان قلبي يخفق بقوة وأنا أرى الفزع في عيني "أم نور"..
ثم سمعت شهقتها.. وأخيرا قالت لي بكل ثقة:
- للأسف يا حبيبتي.. "كريم" لن يعيش حتى يكمل عامه السادس!
****

اليوم يكمل "كريم" عامه السادس..

ستة أعوام مضت على هذه الواقعة.. ستة أعوام من العذاب.. من الحيرة.. من الترقب..

هل ينبغي أن أصدق الشيخة "أم نور"؟.. هي من تنبأت لي بأني سأنجب، فهل ينبغي أن أصدقها عندما تتنبّأ بأنني سأفقد طفلي؟..
اليوم إما أن تنتهى هذه النبوءة وأرتاح... أو... أو تتحقق!

ستة أعوام مضت وأنا لا أتخلى عن "كريم" لحظة.. كل يد تلمسه أحسب لها ألف حساب قبل أن تلمسه.. كل طريق يسلكه أفكر فيه مرات قبل أن يسلكه.. حياته صارت مراقبة باستمرار.. لا أذكر أنني سمحت له مرة باللعب مع أقرانه سوى مرة أو مرتين، وكان ذلك داخل المنزل أيضا..

لقد تعذب "كريم "كثيراً، ولكن... كله من أجل مصلحته.. ليتغلب على النبوءة.. ويكمل عامه السادس!

أحياناً أشعر أنني مذنبة.. ليس من الصواب أن يصدق المرء أقوال العجائز.. أن تستمع إلى نبوءات الآخرين.. لكنها "أم نور".. بركة البلدة.. الست المبروكة.. من ذا الذي لا يصدق الشيخة "أم نور"؟

"كريم" هناك.. في بيت الشيخة.. هذا أكثر الأماكن أمنا التي يمكنني أن أتركه فيها.. لا بد أن الشيخة ستحميه.. بركتها ستذود عنه..

كانت تلك هي خواطري حينما سمعت تلك الصرخات ترجّ البلدة.. أنظر من النافذة لأرى الدخان.. دخان؟

أخرج ملتاعةً وأسأل أحد الأطفال الراكضين عما يحدث.. بيت الشيخة "نور"... يحترق!!

****
البيت الطيني الصغير غارق في دوامة دخان.. ألسنة اللهب تخرج بتؤدة من نافذة المنزل المغطاة بقضبان الحديد.. "أم نور" هناك... و"كريم"! "كريم"!

الأهالي محتشدون أمام البيت.. أنا لا أدري شيئا مما يحدث سوى الصراخ باسم "كريم".. أحاول اختراق الصفوف في هستيريا مندفعة نحو البيت، فتلتفّ الأيدي حولي تمنعني من التقدم.. هدي روحك يا "أم كريم".. إن شاء الله خير..!

من يتحدث عن المطافئ أيها الحمقى؟.. أخرجوا "كريم".. هاتوا لي صغيري! هاتوا "كريم"!

الرجال يحاولون دخول البيت.. الصراخ.. الفوضى.. الهستريا.. الدخان... وأنا لم أقوَ على تحمل كل هذا.. فجأة تخلت عني قدماي، وسقطت..

حينما أفقت ملتاعة كان "كريم" إلى جواري.. نظر لي بهلع، ثم قفز يحتضنني بقوة وهو يبكي. .يبكي بحرقة..
-"كريم"؟.. كيف حالك يا حبيبي؟.. ماذا حدث لك؟.. هل أكملت عامك السادس؟.. هل انتهى ذلك اليوم المأفون أخيراً؟

لقد ماتت "أم نور".. لم يستطع الأهالي إنقاذها..

التحقيقات تقول: إن سبب الحريق تسرب الغاز من فرن الغاز الذي تضعه في ردهة منزلها الطيني الصغير..


"كريم" الصغير يثرثر عن المرأة الشريرة التي حكت له قصة فقدانها لصغارها الستة.. حكت له عن افتقادها الشديد لصغارها الذين لقوا مصرعهم دون ذنب اقترفوه..

قالت له: إنها كانت السبب في الحريق.. إهمال الأمهات قد يتسبب في أفدح الكوارث أحياناً!

"كريم" حكى عن الشريرة التي ربطته بمقعده، ثم أشعلت عود ثقاب أمام محبس الغاز المتسرب.. يحكي عن ألسنة النيران التي اندلعت فجأة من الهواء.. ولكنه حرر نفسه في اللحظات الأخيرة.. يحكي عن كل هذا وأكثر!

الناس يؤكدون أنها هلاوس الأطفال.. لقد كان الفتى مهووساً بقصص الساحرات الشريرات التي كنت أحكيها له، ولا بد أنها قد لعبت بعقله.. الجميع يعرف أن "أم نور" -الله يرحمها- كانت أطيب نساء البلدة..

صحيح أننا لا نعرف مدى حقيقة قصة فقدانها لأطفاله الستة؛ لأنها قادمة أصلاً من بلدة أخرى، ولكنها كانت صاحبة أطيب قلب وأوسع ابتسامة وأحنّ حضن..

على أي حال، لقد أكمل "كريم" عامه السادس!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الفصل السادس
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى العام لشباب ديروط :: قسم المنوعات الادبية :: منتدى الاعمال الادبية-
انتقل الى: